بعد خمس سنوات

نُشر منذ يوم
حفظ
غلاف المقال

وكثيرًا ما كنا نعاني من نقص المستلزمات، مما يجعل العمل أكثر صعوبة. كنت أبذل كل ما أستطيع طوال اثنتي عشرة ساعة متواصلة. وعندما تنتهي مناوبتي في السابعة صباحًا، لا أفكر إلا في شيء واحد. أن أعود إلى المنزل وأنام. لم أكن أطلب يومًا كاملًا من الراحة.

كنت أتمنى فقط أن أحصل على ست ساعات من النوم المتواصل. ست ساعات أستعيد فيها بعض طاقتي قبل أن أعود إلى المستشفى. لكنني كنت أعرف ما ينتظرني بمجرد أن أفتح باب منزل أمي. أجد الأطباق المتسخة متراكمة في حوض المطبخ.

والتلفاز يعمل بصوت مرتفع، يعرض الرسوم المتحركة التي يشاهدها طفلا أختي. والألعاب منتشرة في الممرات والغرف. وآثار الأيدي الصغيرة وبقايا الطعام تملأ الأثاث والأبواب. وقبل أن أتمكن من تغيير ملابسي، أسمع صوت أمي يناديني:"زهراء، تعالي راقبي الأطفال قليلًا. "كانت تقول كلمة "قليلًا" وكأن الأمر لن يستغرق سوى دقائق.

لكنني كنت أعرف جيدًا ماذا تعني هذه الكلمة. فالقليل الذي تتحدث عنه أمي كان يتحول في كل مرة إلى تسع أو عشر ساعات كاملة. أبقى مع علي وحسن، وأهتم بطعامهما وملابسهما، وأراقبهما طوال اليوم. وأحاول في الوقت نفسه تنظيف الفوضى التي يتركانها خلفهما.

أما أختي سارة، فكانت تجد سببًا جديدًا للخروج من المنزل كل يوم. أحيانًا تقول إن لديها اجتماعًا مهمًا في العمل. وأحيانًا تخرج لتناول الفطور مع صديقاتها. وفي أيام أخرى، يكون لديها موعد في صالون التجميل.

وإذا لم يكن لديها شيء من ذلك، تخبرنا بوجود ظرف طارئ في وظيفتها، أو مشوار ضروري لا يمكن تأجيله. كانت الأعذار تتغير، لكن النتيجة تبقى واحدة. سارة تخرج لتعيش يومها كما تريد، وأنا أبقى مسؤولة عن طفليها. وكانت أمي تتقبل كل ما تقوله سارة دون نقاش.

لم تكن تسألها لماذا لا تعتني بأطفالها بنفسها. ولم تكن تطلب منها العودة مبكرًا. بل كانت تتصرف وكأن وقت سارة مهم، أما وقتي فلا قيمة له. لم يسألني أحد إن كنت متعبة بعد مناوبتي. ولم يهتم أحد بأنني قضيت الليل كله دون نوم.

حتى عندما كنت أشعر أنني لم أعد أستطيع الوقوف، كان الجميع يتوقع مني أن أواصل العمل داخل المنزل. ومع مرور السنوات، بدأت أشعر أنني أفقد نفسي شيئًا فشيئًا. لم تعد لدي حياة خاصة. ولا وقت أستريح فيه. ولا فرصة أفكر فيها بمستقبلي. كل يوم كان يشبه اليوم الذي سبقه.

أعمل في المستشفى طوال الليل، ثم أعود لأعمل في المنزل طوال النهار. وفي صباح ذلك الثلاثاء، وصلت الأمور إلى نهايتها. وقفت أمي أمامي وطلبت مني أن أدفع إيجارًا أو أغادر. نظرت إليها، ثم إلى سارة التي كانت لا تزال مشغولة بهاتفها. وفجأة، اتخذت قراري. ابتسمت.

كانت ابتسامتي آخر شيء تتوقعانه مني. لم أقل لأمي إنها ظالمة. ولم أطلب منها أن تتراجع عن كلامها. ولم أحاول تذكير سارة بكل السنوات التي قضيتها في رعاية طفليها. استدرت بهدوء، واتجهت إلى غرفتي. ثم انحنيت وأخرجت حقيبة سوداء كنت قد أخفيتها تحت السرير منذ ثلاثة أشهر.

لم تكن الحقيبة هناك بالصدفة. كنت قد جهزتها منذ فترة، لأنني بدأت أشعر أنني لن أستطيع الاستمرار في تلك الحياة طويلًا. كنت أنتظر اللحظة التي ينتهي فيها صبري تمامًا. وقد جاءت تلك اللحظة أخيرًا. فتحت الحقيبة، وبدأت أضع ملابسي وأغراضي بداخلها. لم أبكِ. ولم أصرخ.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
RE

Rahma Elsayed ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
6مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان

سكريبت مـ,ـرض زوجتى روايات

سكريبت مـ,ـرض زوجتى

تزوجت على زوجتي بعدما ابـ,ـتلاها الله بالمرض الخبيث، وكنت أظن أنها تلفظ أنفاسها الأخيرة. ل…

Rahma Elsayed 5.0 7 دقائق
سكريبت سجن النساء روايات

سكريبت سجن النساء

أول يوم ليا في سجن النساء، كبيرة العنبر قلبت جردل الزبالة كله على أكلي قدام السجينات وهي م…

Rahma Elsayed 0.0 11 دقائق