بعد خمس سنوات

نُشر منذ يومين
حفظ
غلاف المقال

كنت أجمع الأشياء التي تخصني بصمت، وكأنني أقوم بمهمة عادية. وعندما انتهيت، أغلقت الحقيبة وسحبتها خلفي إلى الممر. وجدت أمي واقفة هناك، وقد عقدت ذراعيها أمام صدرها. كانت تنظر إليّ وكأنها تشاهد طفلة غاضبة تحاول لفت الانتباه. لم تصدق أنني سأغادر فعلًا.

أما سارة، فنظرت إلى السقف بضيق، ثم التفتت إلى طفليها وقالت:"ودعوا خالتكم. بعد ساعة أو ساعتين ستهدأ وتعود."كانت واثقة أنني لن أستطيع الابتعاد عن المنزل. ربما لأنها اعتادت أن أتحمل كل شيء ثم أعود إلى عملي المعتاد دون اعتراض.

لكن هذه المرة كانت مختلفة. لم أرد على كلامها. اقتربت من الطاولة، ووضعت مفاتيح المنزل فوقها. ثم فتحت الباب وخرجت. لم أقل كلمة واحدة قبل مغادرتي. ليس لأنني لم أكن أملك ما أقوله. بل لأن كلام أمي وسارة جعلني أفهم أخيرًا المكانة التي أحتلها في حياتهما.

لم أعد أريد أن أشرح لهما لماذا أستحق الاحترام. خرجت من المنزل، واستوقفت سيارة أجرة. طلبت من السائق أن يأخذني إلى فندق متواضع بالقرب من كراج النهضة في بغداد. لم أكن أعرف أين سأعيش بعد ذلك، لكنني كنت متأكدة أنني لا أريد العودة.

عندما وصلت إلى الفندق، حجزت غرفة لمدة ثلاث ليالٍ. دفعت المبلغ من المال الذي كنت أدخره سرًا طوال الأشهر الثمانية الماضية. كنت أحتفظ بهذا المال دون أن أخبر أحدًا، لأنني كنت أعرف أنني قد أحتاج إليه يومًا ما. دخلت غرفتي وأغلقت الباب.

ثم أخرجت هاتفي وأطفأته تمامًا. لم أرد أن أسمع صوت أمي. ولم أرد قراءة رسائل سارة. كنت أحتاج إلى بعض الهدوء، ولو لساعات قليلة. دخلت الحمام، وأخذت حمامًا ساخنًا طويلًا. شعرت أنني أزيل عن جسدي تعب الأيام الماضية. ثم خرجت واستلقيت على السرير.

ولأول مرة منذ سنوات، نمت دون أن يناديني أحد. لم أسمع طفلًا يصرخ باسمي. ولم توقظني أمي لتطلب مني تنظيف المطبخ أو مراقبة الأطفال. لم يكن هناك أحد ينتظر مني القيام بأي مهمة. كنت وحدي. وكان ذلك أكثر ما أحتاج إليه.

في صباح اليوم التالي، استيقظت وبدأت أبحث عن مكان أستطيع العيش فيه. لم أكن أبحث عن شقة كبيرة أو فاخرة. كل ما أردته مكان صغير أعود إليه بعد العمل، وأغلق بابه، وأشعر أنه يخصني. قضيت اليوم أبحث وأسأل عن الشقق المتاحة.

وقبل نهاية اليوم، وجدت شقة صغيرة جدًا تتكون من غرفة واحدة. لم تكن جميلة مثل المنازل التي تظهر في الصور. ولم تكن تحتوي على أثاث فاخر أو تجهيزات كثيرة. لكنها كانت مناسبة لي. والأهم من ذلك أنها أصبحت مكاني الخاص. لم يكن هناك حوض مليء بالأطباق المتسخة ينتظرني كل صباح.

ولا طفلان يضعهما أحد بين ذراعي فجأة ويطلب مني الاعتناء بهما. ولا أم تذكرني باستمرار أن عليّ التضـ,ـحية بوقتي وراحتي وصحتي من أجل العائلة. لأول مرة، شعرت أنني أستطيع أن أعيش بالطريقة التي أريدها. مرت أربعة أيام كاملة وأنا أستمتع بهذا الهدوء.

كانت شقتي شبه فارغة، لكنني لم أشعر أنها ينقصها شيء مهم. اشتريت فراشًا أنام عليه. وطاولة بلاستيكية صغيرة. وصحنين أستخدمهما في الطعام. وقدرًا للطبخ. ثم ذهبت إلى سوق شعبي واشتريت ستائر بسيطة للنوافذ. كانت أشياء قليلة جدًا، لكنها أسعدتني أكثر من كل ما كان موجودًا في منزل أمي.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
RE

Rahma Elsayed ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
9مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان

سكريبت مـ,ـرض زوجتى روايات

سكريبت مـ,ـرض زوجتى

تزوجت على زوجتي بعدما ابـ,ـتلاها الله بالمرض الخبيث، وكنت أظن أنها تلفظ أنفاسها الأخيرة. ل…

Rahma Elsayed 5.0 7 دقائق
سكريبت سجن النساء روايات

سكريبت سجن النساء

أول يوم ليا في سجن النساء، كبيرة العنبر قلبت جردل الزبالة كله على أكلي قدام السجينات وهي م…

Rahma Elsayed 0.0 11 دقائق